عبد الملك الجويني
146
نهاية المطلب في دراية المذهب
والكلم هكذا تنتظم بحروفها ، فيطلع حرف من مخرجه ويغيب ويطلع آخر ، فيتحصّل من ذلك أن القُرء من الأسماء المشتركة . وقد صح عندنا أن الاسم المشتركَ كالجون الذي يطلق على الضوء والظلمة في أصل الوضع موضوعٌ للغلس ووقت اختلاط الظلام بالضياء ، ثم قد يميل العرب إلى أحد طرفي الجَوْن فتسمّي الضوءَ جوناً ، وكذلك القول في الطرف الآخر ، فالقرء جرى بين طوري المرأة في الطهر والحيض ، فمال بعض العرب إلى طرفٍ ، والبعضُ إلى الطرف الآخر . ومن علوّ قدر الشافعي رضي الله عنه أنه لم يتعلق في هذه المسألة باللغة لمّا رأى أصولَها متفاوتة ، واعتقد أنه من الأسماء المشتركة ، وطلب متعلّقاً من الشريعة ، فاستمسك بقوله تعالى : { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } [ الطلاق : 1 ] ، وإليه أشار المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمر ؛ إذ قال : " فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء " ( 1 ) ، ثم إذا استقبلت ذاتُ الأقراء العدة ، فلا شك أنها معتدة في زمان الطهر والحيض ، ولكن أجمع العلماء على أن الاعتداد يقع بأحد الطورين ، وهو المقصود ، والآخر لا بد منه ؛ فإن حكم العدة لا [ يتقطّع ] ( 2 ) ، ثم رأى الشافعي [ الاحتساب ] ( 3 ) في العدة [ بالوقت ] ( 4 ) الذي تتهيأ المرأة فيه للاستمتاع في النكاح . 9766 - هذا بيان مذهب الشافعي ، وله قولٌ في القديم صح النقل فيه أن القرء هو الانتقال ، ثم قال : الانتقال من الحيض إلى الطهر في اللغة كالانتقال من الطهر إلى الحيض ، ولكن الشرع خصص القرء بالانتقال من الطهر إلى الحيض ، ويظهر أثر هذا القول في التفريع ، ثم أول حكم نبتديه تفصيل القول في الأقراء .
--> ( 1 ) سبق هذا الحديث في الطلاق . ( 2 ) في الأصل : " ينقطع " . ( 3 ) في الأصل : الاحتباس . والتصويب من صفوة المذهب . ( 4 ) في الأصل : في الوقت .